8/4/2018
مناسبة الإسراء والمعراج التي تصادف ٢٧ رجب من كل عام (على أحد الأقوال) هي مناسبة دينية جديرة بالاهتمام، ولكن عادة يتم تناولها من زوايا تاريخية بحتة؛ حيث السرد التفصيلي للحادثة. نريد أن تناول في هذه المقالة ربط المعراج الديني بالمعراج الفضائي حيث محاولات الإنسان المستمرة لغزو الفضاء والبحث عن كائنات عاقلة أخرى.
وسنأخذ مثالا على هذه المحاولات العلمية مسيرة المركبة الفضائية فوياجر(١و٢) حيث احتفلت ناسا في ٢٠١٧/٩/٥ م بإكمال فوياجر أربعين عاما في الفضاء ولا تزال قيد الخدمة والتواصل مع الأرض رغم المسافة الشاسعة بيننا وبين فوياجر١، حيث بلغت ١٤١ وحدة فضائية (الوحدة الفضائية: المسافة بين الشمس والأرض وتساوي 150 مليون كم تقريبا) أي ما يعادل ٢١ مليار كيلو متر، ويستغرق الاتصال بين المحطة الأرضية والمركبة ١٩ ساعة ذهابا ومثلها إيابا..
الطريف في هذه الملحمة الفضائية أنه تم تضمين المركبتين قرصا نحاسيا فونوغرافيا مطليا بالذهب يستمر لمليار سنة قادمة -حسب موقع ناسا العربي- كما يشتمل القرص على رموز تشير إلى الإنسان وكوكب الأرض مضمنا بأكثر من مائة صورة لأبرز معالم الحياة الإنسانية، وعلى تحايا سكان الأرض لسكان السماء بخمسين لغة بما فيها صوت الأمين العام للأمم المتحدة حينها. "تحياتنا للأصدقاء في النجوم، يا ليت الزمان يجمعنا" تلك كانت التحية العربية بصوت بشري.
ما يعنينا هنا هو بضعة أمور:
1- إلى الآن لم يتم التحقق من أي كائن فضائي -بالرغم من تأكيد باحثين في معهد سيتي لعلوم الفضاء الأمريكي بإمكانية التواصل مع هذه الكائنات خلال العشرين سنة القادمة-وذكروا فروضا عديدة لعدم التواصل من بينها: أن تلك الكائنات هي أذكى منا بكثير ولكنها لا تهتم لنا، فنحن بالنسبة لها كالنحل بالنسبة للإنسان، فكيف يمكن أن يتواصل الإنسان مع النحل رغم إنه أذكى منها! وهذا الافتراض -الماورائي-يتم التسليم به كفرضية علمية، بينما لا يتم التسليم بوجود قوة عاقلة تدير هذا الكون بما فيه التواصل والاتصال عبر الأنبياء والرسل مع البشر!
2- رسالة السلام الأرضية للفضاء بخمسين لغة مختلفة ورسالة الأمين العام للأمم المتحدة هي رسالة واعية ومطلوبة؛ لكن هل نحن كأمم متحدة طبقنا السلام البشري فيما بيننا؟ لماذا لا تزال تسفك الدماء، ودماء المسلمين في دول إسلامية على وجه التحديد؟ ماذا سيكون موقفنا كبشر أمام الكائنات الفضائية فيما لو قرأت رسالتنا واطلعت على حالنا في ذات الوقت، ألا يحق لها تدميرنا بحجة خداعنا الميكيافيلي؟!
3- مسيرة التقدم العلمي في الذرة والمجرة على حد سواء تشير بشكل أو بآخر إلى وحدة التصميم الذكي التي تدل بالضرورة المنطقية إلى وجود مصمم وخالق حكيم، ورب حليم عليم رحيم، ومهما فر إنسان اليوم من التسليم بهذه الحقيقة فلا بد من مجيء ذلك اليوم الذي تعجز فيه أدوات البحث التجريبي عن الوصول إلى كنه (نظرية كل شيء) لأنه ببساطة حقل العلم التجريبي يختلف تماما عن الحقل الفلسفي الوجودي، فلا يمكن للحقل التجريبي أن ينفي أو يثبت الما ورائي (الغيب) وإنما يمكن أن يشهد ويدل عليه -فحسب-.
4- لسنا نعلم تماما التكييف الفيزيائي لعروج النبي صلى الله عليه وسلم، هل كانت عبر "ثقوب دودية" في الثقوب السوداء، ومن ثم تمر إلى الطرف الآخر إلى الثقوب البيضاء حيث الأكوان المختلفة (أو السموات السبع قرآنيا) أو كانت شيئا آخر؟ لا تزال هذه الافتراضات قيد الدرس الرياضي فضلا عن التطبيق الفيزيائي.
5- للمؤمنين بالغيب: إذا تأملتم الوقت اللازم الذي تقطعه إشارة الراديو بين المركبة فوياجر١ وبين المحطة الأرضية ١٩ ساعة ذهابا ومثلها إيابا، فكم هو الزمن اللازم الذي تقطعه إشارة الدعاء بينكم وبين رب هذا الكون؟!
أليست مضمنة في قوله تعالى: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"؟! (ق:١٦). فكم أنتم محظوظون بهذا القرب وبهذه السرعة الفائقة! وما أجمل البحث في الآفاق عن آيات الخلاق! وصدق الله العظيم في قوله: "سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.." (فصلت:53)
14-5-2017
عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقام دولته على أساسين:
أساس ديني: متمثلا ببناء المسجد. وأساس دنيوي: متمثلا بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وكلا الأساسين يشكلان مبدأ (التعاون الجمعي) الذي هو قوام أي نظام إنساني، فالدين يشكل الدافع القيمي، والتعاون والإيثار يشكل الصورة التطبيقية لهذه القيمة.
لقد انتقلت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من مستوى (الترف الفكري) إلى مستوى (القيمة الفعلية)، ومن خانة (المستحب) إلى خانة (الواجب)، فصارت المؤاخاة بهذا الاعتبار (مسئولية مجتمعية) وليست (مندوباً فردياً) يقدمه الفرد في خفية من الناس طلبا للإخلاص.
سنلاحظ أن المهاجرين كانوا (لاجئين) تركوا ديارهم وأموالهم في (دار الحرب) وفروا بجلودهم إلى (دار السلام) لذلك كان المهاجر يشارك الأنصاري في ماله وداره، وربما ورثه في بداية الأمر، قبل أن يتم نسخ التوارث مع بقاء الإيثار كما هو.
وقد جاء هذا التشريع استيعابا لهذه الحالة الطارئة؛ حالة الهجرة القسرية، واللجوء غير الطوعي من بلد مضطرب إلى بلد مستقر. وقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في آية الإيثار التي سطرت هذا المبدأ القيمي الهام في قول الله تعالى: "وَالَّذِينَ تبوئوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ" الحشر(9).
ولأبي داوود عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". وصححه الألباني في إرواء الغليل. وهذا يعني أننا سنشهد (مهاجرين) جددا بين فترة وأخرى؛ فهل سنشهد وجود (أنصار جدد) يعينون هؤلاء المهاجرين كالأنصار الأوائل؟!
إن الدول العربية تمر بظروف استثنائية (خاصة الدول الثلاث الملتهبة: العراق – سوريا – اليمن) وأمواج المهاجرين تتوالى، ولكنها تيمم شطر البحر الأبيض المتوسط لتصل إلى الدول الغربية، بدلاً عن الوصول إلى الدول العربية!
السبب هو أن الدول الغربية لديها نظام (إيثار إنساني) تم تفعيله دستورياً وقانونياً، وأصبح ظاهرة مجتمعية، بحيث يتم استقبال اللاجئ (المهاجر) ويوفر له اللوازم الإنسانية الضرورية، بينما لا تزال الدول العربية متخلفة (مجتمعياً ودستورياً) عن تفعيل هذا المبدأ، وإن وجدت جهود معينة فهي جهود مبعثرة وغير منتظمة.
ورغم أننا نصنف أنفسنا بأننا (دول إسلامية) إلا أن الإسلام لا يفرق بين العبادة والحقوق؛ فالصلاة دوما مقرونة بالزكاة، وحق الجار والضيف مقرون بالإيمان:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) متفق عليه. وحق الجائع مقرون بالإيمان كذلك: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم به) رواه الطبراني عن أنس.
الإيمان ليس مجرد شعار بل هو بذل وإيثار.
الخلاصة:
– أن الإيثار والبذل (قيمة) وليس ترفاً (خاصة عند الكوارث واللجوء القسري).
– أن الإيثار قيمة مجتمعية، استطاع الغرب دسترتها وقوننتها، فيما تخلفنا نحن.
– لا يمكن الفصل في مفهوم (الإيمان) بين شقيه النظري والعملي.
24-12-2016
هل الوطن قيمة اعتبارية أم قيمة مكانية؟ هل هو التراب والهواء والماء أم أنه الكرامة والإباء؟!
عندما غادر النبي محمد ﷺ مكة إلى المدينة مرغما التفت إلى مكة قائلا “والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" أخرجه الإمام أحمد والترمذي.
ولكنه قدم بعد ذلك إلى المدينة وأنشأ فيها وطنا مكانيا واعتباريا وسكنه حتى مات ﷺ. إذا فوطن الإنسان الحقيقي هو حيث يجد كرامته الاعتبارية ولا قيمة للوطن المكاني عندئذ إذا لم يكن ضامنا وحاميا لهذه الكرامة، ولأجل ذلك كانت حوادث الهجرة (الأولى والثانية للحبشة ثم الهجرة من مكة إلى المدينة).
دعونا نصطلح على تسمية الوطن الاعتباري بالوطن السماوي الذي يعني قيمة الكرامة. ولا شك أن الوطن المكاني يمثل السياج للوطن الاعتباري، ومن هنا نشأ مفهوم الدفاع عن الأوطان،ومع تطاول العهد انتقل المفهوم من الوطن الاعتباري إلى الوطن المكاني.
ويحدث أن تتناسى الشعوب غير الواعية هذا الفرق فتتمسك بالوطن الترابي وتتناسى الوطن السماوي فتتأصل النزعة العرقية والمناطقية، وحديثا المواطنة أو الجنسية على حساب الكرامة الإنسانية، فتغدو الأوطان لعنة على ساكنيها حيث يندفعون للدفاع عن العنصرية الترابية وهم يحسبون أنهم يدافعون عن الوطن بمفهومه النبيل.
وعلينا أن نفرق بين التعلق الطبيعي بالأرض ونوازع الحنين للديار التي صورها الشاعر بقوله:
"وطني لو شغلت بالخلد عنه.. نازعتني إليه بالخلد نفسي" وبين الوطن السماوي، فنوازع الحنين يمكن التغلب عليها من أجل نوازع الكرامة الإنسانية، والحنين إلى الأرض يمكن التغلب عليها من أجل الحفاظ على العرض والذمار.
وجاء في كتاب هيكل يتذكر/ يوسف العقيد (ص: 346) "إن فكرة الوطنية لم تنشأ الا بعد الثورة الفرنسية. نحن كنا في إطار الخلافة الاسلامية، وأوروبا كانت في إطار الفكرة المسيحية المقدسة، والإمارات كلها كانت تتبع الباب".
دعونا ننظر إلى واقع الأمة الأوروبية وكيف تجذر عندها مفهوم الوطن إلى تقنين قيمة الكرامة الإنسانية، وبالمقابل لم تعد للحدود الترابية عندهم تلك القداسة، بل انفتحت تلك الحدود وكونت ما يسمى بالاتحاد الأوروبي. بينما يجد العربي المسلم المشقة والعنت إن أراد أن ينتقل من قطر إسلامي إلى آخر!
أولئك غلبوا مفهوم الوطن الاعتباري، ونحن غلبنا مفهوم الوطن الترابي. فهل يمكن أن يأتي اليوم الذي نعود فيه إلى الأصل (الوطن الاعتباري السماوي) كما كان على عهد الخلافة الإسلامية حيث لا حدود ترابية تفصل بين البلدان الإسلامية؟!
خطورة الإغراق في الوطن الترابي تكمن في تعميق العنصرية والاعتداد الفارغ، والذي يولد فرقة نفسية بين أبناء الوطن الاعتباري الواحد، ونعني به أبناء الوطن الإسلامي بكافة دوله الإسلامية.
لذلك لا نستغرب ذلك البرود تجاه قضايا الساكنين في هذا الوطن .. فما يحصل بالعراق وسوريا، ينظر إليه بهذا الاعتبار بأنه قضايا تخص ساكني أولئك الأوطان، ولا تخص ساكني هذا الوطن الإسلامي الكبير.
ويغدو الدفاع عن أهل العراق –مثلا- مجرد عاطفة إسلامية، لا تحمل عمق المسئولية الوطنية الاعتبارية. فكل واحد مشغول بتعميق الحفرة الترابية على حساب الكرامة الإنسانية.
لا شك أن القرآن معجز في لفظه ومعناه
والإشكال الذي ينشأ
هو نفس الإشكال في تفسير النص القرآني
سواء تفسيره كناحية إعجازية
أو تفسيره كناحية أخلاقية
أو فقهية فروعية
هناك هامش للخطأ يتعلق بتفسير البشر لكلام رب البشر
وهذا الخطأ يتعلق بمناهج التفسير والتنزيل على الواقعة..
فتفسيرهم للقرء في آية الحيض واختلافهم فيها كان حسب مناهج لغوية وأصولية..
وكذا تفسيرهم لمطابقة النص القرآني لظاهرة طبيعية أو نظرية هو من هذا الباب
أي أن هامش الخطأ وارد..
وبهذا يتبين أن الاحتراز بعدم الجزم في التفسير العلمي للقرآن هو الأسلم خشية الانزلاق في الخطأ طالما والاحتمال قائم.. على سبيل المثال:
نظرية نشوء الكون (الانفجار العظيم) رغم وجاهة النظرية إلا أنها تظل غير قطعية فلا يصلح القطع بها في تفسير قول الله تعالى:( كما بدأنا أول خلق نعيده)
أو تفسير آية الرتق.
لكن يمكن أن يذكر استئناسا وعرضا دون جزم..
وفي نهاية المطاف سيكون لهذا التفسير تأثيره ووقعه في النفوس أيضا..
الخلاف هو حول الجزم من عدمه..
وليس الإحجام عن التفسير مطلقا.
والله أعلم
15-10-2011
لا شك أن فوز المناضلة الحقوقيّة توكل كرمان بجائزة (نوبل) للسلام يمثل حدثًا إعلاميًّا مهمًّا على الساحة اليمنية والدولية؛ حيث سُلّطت الأنظار أكثر على هذا الجزء من العالم، وما يعانيه هذه الأيام من مخاض عسير في ثورته السلميّة التي مضى عليها قرابة ثمانية أشهر.. ومع أن الفوز بالجائزة يُعدّ حدثًا مفرحًا في حدّ ذاته، إلاّ أنه برزت أصوات –خاصة من بعض الإسلاميين- تنتقد الجائزة وتوكل كرمان معها، بل وصل بالبعض إلى حد التشكيك بها وفي إخلاصها، بدعوى أن هذه الجائزة ولجنتها في خانة الشبهة؛ إذ تمّ تسليم بعض الرموز المشبوهة سابقًا، وهي إما يهودية أو موالية لليهود..والحق أنه لا نبرئ هذه اللجنة مما ذُكر، ولكن لا ننسى أن هذه الجائزة ليست حكرًا على اليهود والموالين لهم، بل أُعطيت لكثير ممن قدّموا خدمات وإنجازات نافعة للبشرية.. أما بخصوص الأخت توكل كرمان..فينبغي أن نأخذ الموضوع في سياقه الزماني والمكاني.. فالأخت توكل هي عضو مجلس شورى أكبر حزب إسلامي في البلد، ولها خلفيّاتها الدينية ومحجبة وسط بلد محافظ، والجائزة لها بهذا الاعتبار هي اعتراف بأحقيّتها كناشطة في الشأن العام، وممارسة للعمل السياسي باقتدار... فلم يمنعها حجابها ولا انتماؤها الإسلامي من الفوز بالجائزة.. وإن كانت مرشّحات فوزها ليس هو انتماؤها الديني!.. وإنما نضالها من أجل الحريات ومساهمتها المعروفة في الثورة الشبابيّة. أما على الجانب الآخر فلجنة الجائزة والذيول الغربية (المتمثلة في القيادة الأمريكية رئيسًا وسفيرًا..وغيرهم) لهم رسالة واضحة وأجندة معروفة.. وهي اختراق الحصن الاجتماعي اليمني الأصيل (القائم على خليط من القيم الدينية والاجتماعية)، وإحداث ثغرة للتسلّل من خلاله.. وهذا الهدف من الوضوح بحيث يصعب إنكاره.. فنحن الآن أمام صراع قيمي مغلّف بالحرية ونشدان الحقوق المهضومة ليسهل تمرير الفكرة.. وعلى طرف الحبل حيث الأخت توكل كرمان.. تمثل قيمة إسلامية منفتحة وشعلة متوهّجة تنير درب الطامحين في نيل الحقوق المسلوبة، والحريات المغيبّة.. فالتصرف الصحيح هو الوقوف بجانب الأخت توكل كرمان وشدّ الحبل معها إلى ناحية برّ الأمان.. ولا شك أن الغرب يحاول ممارسة اختطاف أدبي ومعنوي للأخت توكل كرمان لأهداف معينة؛ فعلينا الوقوف بجانبها على مسارين اثنين: الأول: تشجيعها في المضيّ قدمًا فيما هي فيه من حق ومطالبة بحقوق الرجال والنساء على السواء.. والمسار الثاني: توجيه رسائل تنبيه لها من محاولة الاختطاف، ولكن ينبغي أن يكون هذا التوجيه بشكل ملائم وغير محرج أو جارح.. فلا يسوّغ شنّ حملة شعواء عليها في المواقع والمنتديات؛ خاصة من قبل إخوانها من الإسلاميين! حيث التسرّع بالاتهام بالعمالة والتخوين وغيرها من الألفاظ التي أقل ما يُقال عنها بأنها لا ترقى لمستوى النقد الهادف..فضلاً عن كونها من قبيل (لا تعينوا الشيطان على أخيكم).. وأفضل وسيلة في نظري هو الالتقاء بها شخصيًّا من قبل قيادات العمل الإسلامي في البلد وتوجيه هذه الرسائل لها..مع الحرص على العمل على المسارين في ذات الوقت.. الثناء والتشجيع.. مع التنبيه الملائم.. فتوكل أختنا ولن نسمح للآخرين باختطافها من بين أيدينا.. كما أننا لن نكون معاول هدم لجهود الآخرين وتضحياتهم..
23-7-2012
لا تزال العلاقة بين الدول الغربية ودول الشرق الأوسط الإسلامية تحكمها العلاقة الراديكالية التقليدية الاستعمارية وإن بأشكال مختلفة، فبعد ما يزيد عن ثلاثة قرون من الحملات الصليبية المتتالية وانكسار الجيوش الجرارة أمام بضعة آلاف من المقاتلين المسلمين أدرك الغربيون أن سر التفوق النوعي لدى المسلمين هو ما يسمونه ب (العقيدة القتالية) رغم ضعف العدة والعتاد، ورغم تفجر الثورات العربية قبل بضعة عقود لطرد الاستعمار الغربي إلا أنه اتخذ لونا آخر من الاستعمار عبر وكلاء محليين بالاستعمار الثقافي الذي يولد نوعا من التبعية والاسترقاق غير المسلح، إلا أن عقدة (العقيدة القتالية) لم تغب عن أذهان المستعمر الغربي؛ فتعامل معها بكل حزم وجدية لأنها تمثل رأس الحربة التي تطعن في بالون العدو المنتفخ!
فقام لاحقا باختراع ما يسمى بمصطلح (الإرهاب) وجعله سمة وحيدة لـ (المجاهدين العرب) سواء كانوا ممن يتبع القاعدة أم من خارجها..ومع تحفظنا على سلوكيات القاعدة وطريقتها غير الشرعية في التعامل مع مصطلح (الجهاد) لا سيما في الداخل المسلم إلا أن هذا الملف اعتبر شماعة كبيرة وغطاء واسعا للتدخل الغربي السافر في قضايا أمننا الداخلي، واستغلت بعض الأنظمة العربية هذه الموجة لتصفية حساباتها الخاصة.
ولم يكتف الغرب بمحاربتها ومطاردة من يعتنقونها؛ بل قام باستغلالها وتوظيفها أحيانا حسب سياسة (الفتح والإغلاق)، كما حصل مع الاتحاد السوفياتي سابقا وطرده من أفغانستان بمساعدة (المجاهدين العرب) إلا أنه بادر إلى التخلص منهم فور انتهاء المهمة رغم أنه شجعهم في بداية الأمر وأمدهم بالسلاح! وكذلك ما حصل في البوسنة والهرسك، فبعد إبادة الصرب لآلاف المسلمين وتدخل (المجاهدين العرب) مرة أخرى وطعنهم في خاصرة العدو الصربي واتضاح ملامح تراجعه وتقهقره أمام ضربات (المجاهدين العرب) تدخل بشكل مفاجئ وأوقف تقدم الآليات الصربية بالضربات الجوية وتم (اختطاف) النصر حينها لصالحه والتضييق بعد ذلك على من يحملون (العقيدة القتالية من المجاهدين العرب)..
وهذا المشهد يكاد يتكرر اليوم في الحالة السورية، حيث برز تقدم واضح لأداء الجيش الحر بمختلف تشكيلاته الأيديولوجية والتي يغلب عليها الصبغة الإسلامية (أصالة أو تأثرا) ومن الواضح أن هناك جماعات مختلفة وكلها تجمعها العقيدة القتالية للتخلص من نظام الأسد..فهل سيبادر الغرب إلى التدخل العسكري لقطف الانتصار الحقيقي الذي يسطره أصحاب (العقيدة القتالية) على الأرض؟..
في ظني أن ذلك إن تم سيتم بشكل محدود متخذا صفة الرمزية فقط بعد عقد صفقة غربية روسية كما حصل مع ليبيا! ليتم بعدها بعثرة الجيش الحر على أساس الفرز الأيديولوجي أولا والطائفي ثانيا واتخاذ قيادات مرنة يسهل السيطرة عليها غربيا ثالثا..
لذلك ينبغي على الجيش الحر أن يعي هذه المؤامرات، وألا يقبل بالمساومات الغربية، وأن يبني الجيش السوري على أساس أفراد الجيش الحر ومن سينضم معهم لاحقا، كما ينبغي على الجماعات المقاتلة أصحاب (العقيدة القتالية العالية) من مختلف تشكيلات (المجاهدين العرب) أن يسمعوا لنداء العقل والشرع، وان يتركوا الأنانية المفرطة والتي تتلبس بشعارات (الخلافة والدولة الإسلامية) وأن يعلموا أن مثل هذه القضايا بحاجة إلى تدرج أولا..وإلى اتفاق شعبي ثانيا وإلا كانوا كالعادة لقمة سائغة للغربيين قتلا ومطاردة وبالتعاون مع شركاء النصر والتحرير لاختلاف وجهات النظر وإصرار كل فريق على رأيه!
وليعلم (الجهاديون العرب) أن الغربيين يتربصون بهم الدوائر سواء حسب مصطلح محاربة الإرهاب تارة ..أو توظيفهم لهم في إحراز النصر المسروق لاحقا تارة أخرى!
وليعلم (شركاؤهم من الفصائل الأخرى) سواء كانت سنية أم غيرها بأن الغربيين لا يريدون خيرا لأبناء سوريا، والدليل هو تقاعسهم عن نصرتهم هذه المدة الطويلة، وأن مبررات هذا التقاعس أوهى من بيت العنكبوت، فالخوف على دولة يهود ليس مبررا كافيا لأن النظام السوري عميل بامتياز لليهود..
وأن اتخاذ الفيتو الروسي ذريعة لعدم التدخل غير كاف أيضا، فلو شاءوا لفعلوا بدون الحاجة لذلك كما حصل في العراق وليبيا والبوسنة والهرسك..لكنهم ينتظرون البديل المناسب الذي سيخلف الأسد..
كما أن الفيتو الروسي يمكن أن يؤثر عليه اللوبي اليهودي المتواجد في روسيا بقوة لو أرادت إسرائيل إنهاء نظام الأسد!
فهذه دلائل واضحة على أن الغرب لا يريد خيرا بسوريا ولا غيرها من بلاد المسلمين، فعليكم أيها الشركاء بالحفاظ على وحدتكم الداخلية والتفاهم مع كل الفصائل للوصول إلى تسويات مرضية للجميع، وإلا تبعثر نصركم وتبخرت دماء شهدائكم، وكنتم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا!
25-8-2013
11-9-2013
لقد كان للماكنة الإعلامية الضخمة التي تعمل على شيطنة الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين – ولا تزال- أعظم الأثر في غسيل دماغ الشعب المصري ومن هم خارج مصر كذلك، بما يشبه عمل (سحرة فرعون) الذين ذكرهم الله عز وجل في القرآن الكريم، وقبل أن نبدأ بذكر مقارنات قرآنية متعلقة بفرعون الأمس وفرعون اليوم وكذا سحرة كل منهما ننوه إلى أن هذه المقارنات اجتهادية قد لا تنطبق من جميع الوجوه على كل الحالات، كما أنها محاولة لتقريب التشابه في طبائع الاستبداد بين فرعون الأمس وفرعون اليوم وآلة تأثيره، كما ننوه إلى مسألة الإيمان والكفر في هذا السياق بالتالي: الإيمان أساسه هو إيمان بمبدأ العبودية المطلقة لله تعالى دون غيره، فعندما يرفض المسلم أن يكون عبدا لشخص آخر هو ينفذ عمليا مقتضى عبوديته لله تعالى، وعلى هذا الأساس انبنت نظرية الحقوق السياسية في الإسلام، واستحق أن يكون ( من قتل دون ماله فهو شهيد...الخ)، فإذا كان هذا في شأن المال، فهو أشد خطرا في الحكم السياسي الذي يتحكم في مقاصد الدين الخمسة للناس والتي يدخل المال فيها ضمنا. أما مسألة الكفر في هذا السياق، فهي لا تعلق لها في كلامنا، لأننا نتحدث عن صفة مشتركة بين المسلم والكافر وهي الظلم، كصفة مرتبطة بالاستبداد السياسي وتشريعه، وعليه فنحن نتكلم عن صفة (فرعون الظالم) لا (فرعون الكافر)، وهذا التوصيف ينطبق على (سحرة الأمس) و(سحرة اليوم) كذلك. والآن دعونا نستعرض سياق الآيات (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)كان سحرهم إيهاما وتخييلاً وهكذا يحصل التخييل للناس وإيهامهم بأمور لا أساس لها من الصحة، فما يلفقونه في وسائل الإعلام يبدو كأنه حقيقة للوهلة الأولى، ولكن ما يلبث أن يكتشف الناس زيفه لاحقاً .
- (قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم)، فالآية تحدد طريقة التأثير بثلاثة أمور:
1- ممارسة السحر والدجل على الناس بحقائق موهومة (قتلة، إرهابيون، ...).
2-تضخيم هذه الحقائق الموهومة وتخويف الناس بها (سيخربون البلد، عملاء،...).
3- الحشد الكبير للسحرة حتى يكون السحر (عظيما) كما وصف في الآية، وهذا ما تمارسه تلك القنوات مجتمعة.
- السحرة يتواصون فيما بينهم على الحشد والتأثير (فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى) .
- السحرة لا يمارسون عملهم إلا بأجر (...قالوا أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) وهكذا الإعلام المأجور الذي يتلقى أموالاً لتنفيذ هذه المهمة القذرة!
- وصفهم الله بالعلم بالسحر وإتقانه : (يأتوك بكل سحار عليم)، وهكذا الإعلاميون المضلون هم محترفون لفن الإغواء والتضليل وعليمو اللسان.
- تقريبهم من السلطة الطاغية (فرعون) : (قال نعم وإنكم لمن المقربين)، واعتماده الكبير عليهم في التأثير أعظم من اعتماده على جيشه.
- حدد فرعون يوم الزينة لإظهار قوته والمنحازين إليه، وكان عموده الأساس هم (السحرة)، وهكذا عندما اجتمع الناس في 30 يونيو كان عملا إعلاميا احترافياً لإظهار حقيقة معينة حيث منعت وسائل الإعلام غير الموالية للفرعون.
- نتيجة المعركة : تم فضح هذا السحر الإعلامي لاحقا وتبينت حقيقة المؤامرة وذلك بالحجج المتلاحقة التي كانت تبتلع حجج الانقلابيين بما يشبه حية موسى عليه السلام، (فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين) إلا أن فرعون (انقلب) على هذه الحقيقة مرة بعد أخرى، وقرر النتيجة التالية: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين) وذلك بعدما انحاز هؤلاء السحرة إلى معسكر موسى ومن معه، وهكذا من انحاز إلى الشرعية صار هدفا مستباحا للسلطة المستبدة، واستكلب فرعون وجنده في الناس قتلاً وتحريقاً وسجناً وترويعاً.
- مصادرة الحريات وتقييد الحركة والتجول، فلا بد من إذن في الدخول والخروج، والرحيل والبقاء، ومصادرة حرية اختيار الدين والمذهب (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم).
- علل فرعون هذا الإيمان والانحياز للشرعية بأنه نتيجة مخططات مسبقة، وأجندات نفذها هؤلاء المؤمنون : (إنه لمكر مكرتموه في المدينة ..) من أجل الإخلال في تركيبة المجتمع (لتخرجوا منها أهلها)!
- قلّل فرعون من حجم المؤيدين للشرعية : (إنهم لشرذمة قليلون) - ولا مكان لهم في المجتمع : (وإنهم لنا لغائظون) - ونحن متوجسون منهم وحذرون من إرهابهم : (وإنا لجميع حاذرون) - رغم كل هذا التخييل والسحر إلا أنهم لم يستطيعوا أن يؤثروا على (كبيرهم) ولا يزال ثابتا رابط الجأش!
- لم يكتفوا بقتل أصحاب الشرعية، بل حاولوا استهداف المتعاطفين معهم أيضا وقصة مؤمن آل فرعون تبرز هذا الدور وكيف نجاه الله تعالى من بطشهم.
- تصريح الفرعون وبطانته باستهداف أصحاب الشرعية، وأن هذا من أجل مصلحة البلد: (قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ..) .
- طلب الفرعون من الناس تفويضاً مباشراً بالقتل )وقال فرعون ذروني أقتل موسى) والسبب: توقع تغيير هوية المجتمع الدينية السوية (إني أخاف أن يبدل دينكم) أو الإرهاب المحتمل : (أو أن يظهر في الأرض الفساد)!
- عدم رضوخ السحرة لفرعون بعد اعتناقهم المذهب الحق، وفضلوا الموت على الرجوع عن مبدئهم المشروع (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون)، وفندوا سبب قتلهم، وهو أنه ليس إصلاح مصر كما ادعى الفرعون، وإنما لأجل إيمانهم (وما تنقم منا إلا أن آمنا...).
- فرعون ومن معه يتهمون أهل الحق بأنهم مضللون ومخادعون (...فقالوا ساحر كذاب) - واجه فرعون المنطق والحق بالقتل والتنكيل وليس بالحجة والبرهان : (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم...). - عاقبة جريمة (التخييل) والإقصاء والقتل لم تكن تخطر بخيال المجرمين (فأغرقناهم أجمعين)، وهكذا سيغرق المجرمون في شر أعمالهم، وستكون النجاة لأهل الحق (ونجينا موسى ومن معه أجمعين) .
أخيراً: سيقول أتباع الفرعون بأن هذه الآيات تنطبق على الطرف الثاني ووسائل إعلامه أيضاً، نقول لهم قارنوا سلوك هؤلاء وهؤلاء وأيهم ارتبط عهده بالبطش والتنكيل، وأيهم أقرب سلوكا لفرعون وسحرته.
لقد كان يوم الثالث من يوليو 2013 م يوما أسود في تاريخ مصر الحديث ونكتة سوداء في جبين من قاموا بالانقلاب العسكري على سلطة حاكمة منتخبة، وأكثر الملومين هنا هو من يتمثل راية الإسلام ويحمل لواء الشرع وهو مؤسسة الأزهر وحزب النور ،أما الأزهر فقد تمت إعادة مفتي مبارك السابق لتمرير هذا الانقلاب مع بابا الكنيسة
وبقي حزب النور السلفي في المشهد الإسلامي والذي ظن بثعلب العسكر خيرا حتى وقع كل ما كان يحاذره هذا الحزب، فبمجرد الإعلان العسكري :
تم إقفال القنوات الإسلامية وتلك المناهضة للانقلاب كالجزيرة وتم اعتقال الرئيس الشرعي محمد مرسي ولاحقا مجزرة رابعة العدوية والنهضة وبقية المجازر شبه اليومية والاعتقالات التعسفية المتلاحقة وإلغاء المواد الدستورية المهمة وعلى رأسها المادة 219 المتعلقة بالشريعة الإسلامية
فهل كان حزب النور مصيبا؟ وماذا عليه أن يفعل؟
يدعي الحزب بأنه اجتهد في مسألة عزل محمد مرسي!
ولا ندري على ماذا بنى هذا الاجتهاد؟ هل بناه على رؤية شرعية أم قانونية ؟
أما الشرعية فلا يسعفه ذلك، فلو احتكم للشارع فهو انقلاب على إرادة الناس الذين ارتضوا محمد مرسي رئيساً
وإن زعم أنه احتكم إلى أهل الحل والعقد فمن هم؟
هل هو مفتي مبارك أم بابا الكنيسة أم السيسي الذي خان رئيسه أم البرادعي وحركة تمرد؟
إذن فليس له سند من أهل الحل والعقد الحقيقيين.. قد يقال بأنه احتكم لثورة 30 يونيو..
وعلى التسليم بشرعيتها (رغم التشكيك المصاحب لعدد من خرجوا فيها) فما جاء بعدها من ثورات واعتصامات ربما فاقتها في العدد ينبغي أن يحتكم الحزب لها أيضاً ويلغي ما سبقها من انقلاب!
ربما يقال بأنه تعامل واقعيا مع الحاكم المتغلب بالشوكة (السيسي) وهنا نقول بأن التعامل مع المتغلب شيء والاعتراف به وإضفاء المشروعية شيء آخر إذ لم يكن الحزب ملزما بالاعتراف تحت التهديد والإكراه!
بقي النقطة القانونية لعزل محمد مرسي..
وهنا لا يسعفه أيضاً بل القانون المصري يحاكم من انقلب على السلطة الشرعية بالإعدام (السيسي وشركاء الانقلاب) كما يذكر خبير القانون الدولي محمود المبارك في مقالة له على صحيفة الجزيرة والمدينة..وبالتالي على رئيس حزب النور أن يعتق رقبته من حبل المشنقة القادم فيما لو عادت الشرعية لأصحابها!
إذن فهي خيانة مكتملة الأركان ليس لها سند فقهي في الشرع ولا في القانون الدولي والمصري...
ماذا على حزب النور أن يفعل؟
رغم أنه فاته الرجوع القانوني عن الانقلاب (حيث يمكن محاكمة قادة الحزب لاحقا ضمن شركاء الانقلاب ) إلا أن هذه الخطوات قد تجنبه مزيدا من الانتحار السياسي حيث فقد الحزب لشارع الإسلامي والليبرالي على حد سواء !
إذن عليه أن يعلن تراجعه عن دعم الانقلاب!
فإن فعل ذلك فهذه الخطوة سيكون لها استحقاقات عملية وميدانية على الأرض .. حيث سيتم استهداف قادة حزب النور من العسكر أسوة بقادة الإخوان .. وهنا لا بد من التضحية من أجل المبادئ العظيمة فليست دماؤهم بأغلى ثمنا من غيرها..
فإن كانوا يخافون من هذه الخطوة فليعلنوا استنكارهم لتغيير الدستور والتلاعب به -على الأقل- ويتم الضغط عمليا على حكومة الانقلاب بمظاهرات واعتصامات ويمكن التنسيق مع التحالف الوطني لدعم الشرعية في هذا الأمر..
ولا يكفي مجرد الاستنكار الصحفي.. بل يجب استنفاد الجهد في نصرة الشرع والشرعية ولو أدى ذلك إلى سقوط بعض القتلى كما قرر ذلك أستاذ السياسة الشرعية د. صلاح الصاوي بقوله:(أما إذا كان التظاهر السلمي لا يعني إلا سقوط بعض الضحايا الذين يختارهم الله للشهادة، ويحيي بهم موات الضمائر والقلوب، ويحرك بهم همم المراقبين للمشهد من القادرين على النصرة، لإنقاذ الموقف، واستعادة الحق، أو جزء منه، واستحياء بقية المتظاهرين، والحيلولة دون تحول الموقف إلى كارثة استئصال وإبادة شاملة، فقد يكون ذلك محتملا، فما الجهاد إلا التغرير بالنفوس لإعزاز الدين، وإجلال رب العالمين!) انتهى.
أما إذا لزم الحزب السكوت السلبي أو تساوق مع دعوات شيطنة الإخوان في إعلام الانقلاب وداعميه، من بعض الإعلاميين ومشايخ الدين الذين وقعوا في حمأة التحذير من الإخوان والأخونة..عندها سيجد حزب النور نفسه وقد قلاه الأقربون قبل الأبعدين! ولن يسلم من لوم صديق أو بطش لئيم!
19-7-2012
في مقتبل شهر رمضان تتكرر المعركة المحتدمة بين الفلكيين وفقهاء الشريعة حول إثبات دخول الشهر ورؤية الهلال..
ففقهاء الشريعة يكادون يتفقون على عدم اعتبار الحساب الفلكي لإثبات دخول رمضان..والفلكيون من جانبهم يعتبرون هذا نوعا من الجهل بشأن الفلك وخدمته للشريعة؛ فضلا عن حوادث الرؤية والشهادات التي يقدمها أشخاص تعتمدهم المحاكم الشرعية يجزم علماء الفلك بخطأ كلامهم وأنه يستحيل فعلا رؤية الهلال تلك الليلة! فمن نصدق؟
أعتقد أن عرضا ملخصا لوجهة نظر كلا الرأيين سيخرجنا في النهاية إلى تصور ثالث ربما يكون هو الحل الأنسب لهذه القضية..
يرى الفقهاء بأن اعتماد الرؤية البصرية بالعين المجردة هو المتعين لأسباب، منها:
- أن النصوص الشرعية جاءت باعتماد الرؤية البصرية كعلة للصوم للنصوص التالية: \" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غُم عليكم فأقدروا له ثلاثين \"و في بعض الروايات: \" أو حال بينكم وبينه سحاب\" وغيرها من الروايات؛ فدل على تعليق الحكم على مجرد الرؤية وإن كان خلاف الواقع، واعتماد الحساب الفلكي فيه إسقاط لهذه العلة، وبالتالي إحداث علة جديدة لم يأت بها الشارع، كما هو رأي المستشار عبدالمقصود شلتوت.
- أن تعليق الحكم على الرؤية البصرية المجردة هو اللائق مع يسر الشريعة وسماحتها، وملاءمتها لكل الناس، أما الحساب الفلكي فهو مخصوص بطائفة معينة فقط.
- أن الحساب الفلكي غير قطعي، وأنه مجرد ظن، بدليل اختلاف حسابات الفلكيين أنفسهم.
وبالمقابل يرى الفلكيون بأن الحساب الفلكي أولى للاعتبارات التالية:
- حصول حالات ادعاء للرؤية (قصدا أو خطأ) كما ثبت في بعض الحالات استحالة الرؤية البصرية والتلسكوبية، ورغم ذلك شهد أناس أنهم رأوا الهلال تلك الليلة!
- أن علم الفلك من متعلقاته حركة الأجرام السماوية كالشمس والقمر، ولم يرد دليل على عدم اعتباره، بل ورد ما يدل على الحساب الفلكي في الشأن العام كقوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا) وغيرها من النصوص، وأنه يمكن قياس توقيت دخول الشهر بقياس توقيت الصيام وأوقات الإمساك وأوقات الصلوات والتي جرت العادة باعتبارها عمليا وعدم التحقق من الفجر الصادق عمليا بل باعتماد الحساب الفلكي لكل من الصيام والصلاة!
رأي ثالث:
- هناك فرق بين الحساب الفلكي التقديري، وبين الرؤية سواء كانت بالعين المجردة أو بالواسطة بالتلسكوب، فالرؤية بالتلسكوب هي داخلة في مسمى الرؤية العام، وهي أداة لتجويد الرؤية، والمطلوب هو رصد تلسكوبات مخصصة للرصد في أقطار متعددة للتحقق من الرؤية العينية بالواسطة..ونكون بهذا جمعنا بين مسمى الرؤية، وبين التحقق من صحة وجود الهلال من عدمه والذي عادة ما يتوافق مع الحساب الفلكي في هذه الحالة.
وفي حالة الرؤية العينية المجردة فإنه لا بد من عدم الاكتفاء بعدالة الرائي، وأن يتم سؤاله أسئلة متعددة عن طبيعة ما رآه، حتى يتيقن من صحة كلامه، وهذا يقتضي أن تكون اللجنة المحكمة على دراية بهذه الأمور، وحبذا لو تم إشراك فلكيين في اللجنة ليتحققوا عن طبيعة ما رآه، حيث ذكروا على سبيل المثال بأنه يستحيل رؤية الهلال قبل مضي 25 دقيقة، والموضوع برمته يقتضي عقد مؤتمر أو لقاء بين الفقهاء والفلكيين ليتم تدارس الأمر والتوصل إلى صيغة موحدة للجميع.
والله الموفق.
26-3-2012
المشهد العام
لا شك أن اليمن الآن تمر بظروف استثنائية بعد توقيع الأطراف المتنازعة على المبادرة الخليجية والتي بقدر ما كانت صمام أمان لليمنيين؛ فقد كانت بمثابة الحصان الأسود الذي ركبه الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح ومقربيه الذين لا يزالون يمارسون ذات الدور نكاية بالثورة والثوار محاولة لإفشالها وعرقلة أهدافها.
فقد لعب الرئيس اليمني على ورقة الحوثيين كما لعب بورقة القاعدة، حتى بات هناك ما يعرف بقاعدة القصر الجمهوري، غير أن هذا لا ينفي وجود تنظيم حقيقي يعمل على الأرض فقد ظهر تنظيم حديث ولد من رحم القاعدة أطلق على نفسه اسم (أنصار الشريعة)، وحدثت مواجهات دامية بين هذا التنظيم من جهة وبين القوات الحكومية من جهة ثانية، حتى بات يشكل تهديدا خطيرا للمنطقة برمتها، وبات اليمن على صفيح ساخن قابل للانفجار.
أنصار الشريعة
(أنصار الشريعة) هو الوجه الثاني لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وقد استقطب كثيرا من أفراد هذا التنظيم، وصاروا يبسطون سيطرتهم على مناطق كاملة في محافظة أبين وشبوة على وجه الخصوص ولهم تمدد في محافظة البيضاء، ويحاولون بسط سيطرتهم على مناطق أخرى، هدفهم من هذه السيطرة هو تطبيق (الشريعة الإسلامية) وبدرجة أساسية (الحدود الشرعية) كما يظهر من سلوكهم في الأيام الماضية..وهذا الهدف وإن كان هدفا مشروعا لبقية الفصائل الإسلامية إلا أنهم يختلفون معهم في كيفية التطبيق، ومسألة التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية حسب القدرة والاستطاعة، تحت مظلة الدولة والدستور الذي يأتي بتوافق شعبي، وليس بانفراد طائفة واحدة بتطبيق هذه الأحكام دون بقية الناس، صحيح بأن المناطق التي سيطرت عليها أنصار الشريعة باتت مناطق آمنة من عمليات النهب والسطو، إلا أن هذا لا يكفي لإقامة أود الناس وعوزهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهي تشكل دولة داخل الدولة، وهذا ينذر بمواجهة مسلحة كما حصل ويحصل حاليا.
الإشكالية الفكرية
من الواضح أن ملامح المشكلة الفكرية لدى تنظيم القاعدة وأنصار الشريعة على حد سواء تبرز في نقطتين أساسيتين:
الأولى: اعتماد الاستقلالية التامة والاجتهاد في فهم النصوص الشرعية بمعزل عن القواعد الأصولية لفهم النصوص في الأغلب، لا سيما المتعلقة منها بالحاكمية، حيث النزعة الظاهرية الواضحة، نتج عنه بروز مدرسة فكرية تابعة لهم، لها مشايخها وقادتها المتبوعون من قبل أفراد التنظيم، ولا يعتدون بمن هم خارج هذه المنظومة من المشايخ والعلماء.
الثاني: الغلو العملي التابع للغلو الفكري، حيث اعتماد القوة سبيلا أوحد لتطبيق الشريعة، والسعي نحو الخلافة الإسلامية، نتج عنه ما نشهده من صدامات مستمرة مع الحكومات لتحقيق هذه الأهداف، وفرضها كأمر واقعي مسلم به.
لذا فالإشكالية الفكرية تعد عاملا هاما في معادلة الصراع القائم بين التنظيم والحكومة اليمنية، ومفتاح الحل يبدأ من علاج الفكر، وليس من المواجهات المسلحة.
رؤى وحلول
لحل معضلة (أنصار الشريعة) أو (القاعدة الفكرية) يجمل بنا سرد المقترحات التالية:
- تكوين لجنة من العلماء المشهود لهم بالكفاءة العلمية، والقدرة على الحوار والإقناع ليكونوا واسطة حوارية بين الحكومة وأنصار الشريعة.
- الجدية في الحوار خاصة من الجانب الحكومي، ووضع الضمانات الكفيلة بذلك.
- العمل على علاج كافة القضايا الفكرية والنفسية والمالية لدى (أنصار الشريعة) ومعاملتهم كمواطنين يمنيين لهم حقوق وعليهم واجبات.
- كف الأذى عنهم، وحل مشكلة السجناء منهم، وكذا مشكلة المأسورين من الجنود الحكوميين.
- كف يد التدخل الخارجي، وإيقاف الاستهداف بالطيران كبادرة حسن نية للدخول في حوار جاد.
- تحمل بعض الخروقات الفردية من الجانبين في سبيل إنجاح الحوار.
- الفصل في التعامل بين القاعدة الأساسية (الفكرية) وبين قاعدة (السلطة السابقة)..فالأولى لها جانب فكري..بينما الثانية لها جانب مصلحي.
كيفية التعامل مع قاعدة السلطة :
- كل العرض السابق كان يتعلق بالقاعدة الفكرية، أما ما يعرف بقاعدة السلطة فالتعامل معها مختلف، فهي مرتبطة بشبكة علاقات ومصالح مع الرئيس المخلوع (علي عبدالله صالح)، وهو الذي كان يحركها ولا يزال، والشواهد على ذلك كثيرة، ويعرفها اليمنيون تماما، لذلك فالحل هو في قطع التمويل من قبل الجهة التي تحركهم، ولا يتم ذلك عمليا إلا بتحرك جاد من حكومة المعارضة بالاحتجاج والضغط بواسطة الأطراف الدولية الراعية للمبادرة لإلزام الرئيس المخلوع بكف يده عن هذه التدخلات، وعن توظيفه للمفالت الثلاثة الساخنة (القاعدة-الحرك-الحوثيين)..
وهذه الخطوة ينبغي أن تتم قبل مسألة إطلاق الحوار الفكري، حتى يتم تقليص العدد، وتحديده بدقة لبدء عملية الحوار الفكري الآنف الذكر.
البديل المظلم
- إذا لم تقم الحكومة بواجبها تجاه ما يعرف ب(قاعدة السلطة) وذلك عبر كف يد الرئيس المخلوع في إمدادهم وتحريكهم، فإن هذا سيكون له آثار كارثية على اليمن داخليا عبر الاحتراب الداخلي، وخارجيا عبر تبرير التدخلات الخارجية وبشكل أوسع وأعمق.
- وإذا لم يقم السادة العلماء بدورهم، ووجهاء المجتمع، ولم تتحمل الحكومة دورها الأخلاقي في قضية القاعدة (الفكرية)، فإن المشكلة مرشحة للتصعيد بشكل قد يفوق التصور، فهناك ما يشبه الخلايا النائمة من المقتنعين بفكرة تطبيق الشريعة على طريقة أنصار الشريعة، وسيتسع الخرق على الراقع، وستبدأ البلد في الدخول في نفق مظلم له أول وليس له آخر، ويخشى أن تتحول اليمن معه إلى باكستان أخرى، لذا فندائي للعقلاء من هذا الوطن الحريصين على وحدته وعلى بنائه، أن يبادروا في تدارك الموقف سريعا، وحمل الجانبين على الانصياع للحوار، لا سميا أننا سمعنا أن الحكومة رفضت عرضا للحوار قدم من قبل أنصار الشريعة، وليس للحكومة الحق في رفض هذا الحوار لا شرعا ولا قانونا، فهؤلاء مواطنون يمنيون رفعوا السلاح شبهة، يجب على السلطة الحاكمة محاورتهم وإزالة شبهتهم، فإن بذلت كل ما في وسعها تجاههم، ولم يستجيبوا عندئذ يصح أن يقال: آخر العلاج الكي، وكما قبلت الحكومة الحوار مع الحوثيين الذين لا يزالون يرفعون عليها السلاح إلى هذه اللحظة فضلا عن ستة حروب سابقة، عليها أن تقبل الحوار مع أنصار الشريعة أيضا.
نسأل الله أن يحقن دماء المسلمين، وأن يوحد بين أبناء اليمن، وأن يهديهم سواء السبيل.
2-10-2011
إثر المجازر الدموية التي ارتكبها النظام اليمني بقيادة علي عبدالله صالح، أخذت أتساءل: ما هي الفوارق بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي الشهير بسفك الدماء في عهد عبدالملك بن مروان، وما هي المزايا التي تميز بها هذا الرئيس، فاكتشفت أن هناك عشرميزات تميز بها الرئيس اليمني عن الحجاج بن يوسف الثقفي!..والمقارنة التالية تظهر ذلك جليا في سيرة كلا الرجلين:
- الحجاج سفك الدماء بالآلاف من أجل كرسي الحكم جهارا من غير غدر..وعلي بن عبدالله سفكها جهارا وغدرا!
- الحجاج لم يكتف بحماية حدود الدولة الإسلامية؛ بل سعى لتوسيعها وضم أراضي جديدة إليها وفتح السند والهند..أما علي بن عبدالله؛ فلم يكتف بتهميش حدود دولتنا؛ بل سعى إلى بيعها لدول الجوار، وفتح الفضاء للطيارات الأمريكية تقتل مواطنيه، والبحر لسفن الدول العظمى تنتهك سيادته!
- الحجاج ألزم أهل البصرة بقوة السلاح بأن يجاهدوا الأعداء مع المهلب بن أبي صفرة وأعطاهم الأموال..أما علي بن عبد الله فبدلا من إلزام قواته الأمنية بحماية الشعب ضد الأعداء؛ إذا هو يقصفهم ويقتلهم صباح مساء!
- الحجاج كان معلما للقرآن الكريم أديبا بليغا، وعلي بن عبدالله بالكاد (يفك الخط)!
- الحجاج قام بنقط المصحف وتحزيبه والعناية به وبدور تحفيظ القرآن الكريم..وعلي بن عبدالله أغلق المعاهد العلمية، وقصفت قواته دار القرآن الكريم!
- الحجاج كان يدقق في اختيار ولاته وعماله، ويعاقبهم لو ظلموا أحدا من الرعية..وعلي بن عبدالله يدقق ولكن في اختيار الولاة والعمال الموالين له، ولا يهم إن ظلموا أو سرقوا باسم الحزب!
- الحجاج أصلح العملة، وضبط معيارها..ونظام علي بن عبدالله تدنت العملة في عهده إلى أدنى مستوياتها!
- الحجاج منع بيع الخمور وأمر بإهراقها..أما نظام علي بن عبدالله فالفنادق تشهد بما يدور فيها!
- الحجاج أصلح حال الزراعة، وحفر الأنهار والقنوات..ونظام علي بن عبدالله تفشت في عهده نبتة القات المدمرة، وتدهورت حال الزراعة!
- توفي الحجاج وليس في خزينته إلا 300 درهم!..أما علي بن عبدالله فلا يزال يحتفظ بالمليارات وينعم!
قال ابن كثير عن الحجاج:
(إن أعظم ما نُقِم على الحجاج وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله، وقد كان حريصا على الجهاد وفتح البلاد، وكانت فيه سماحة إعطاء المال لأهل القرآن؛ فكان يعطي على القرآن كثيرا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا 300 درهم)..
فبالله عليكم؛ أيهما أعظم جرما، وأكثر غرما، وأشد نكاية بالمسلمين وإثما!
هل هو الحجاج الثقفي الذي وصف بالمبير..أم علي بن عبدالله الذي وصف بالثعلب الخطير!
فهل على الناس من لوم إذا خرجوا إلى الشوارع، بعد أن حرمهم من اللحم والكوارع، وجعلهم أضحوكة ومثلة لكل نازل وطالع! وهاجروا في شتى أصقاع الأرض من ظلمه وساحوا، وآلمهم ضيق ذات يدهم وصاحوا: أما آن لهذا الكابوس أن ينزاح..ونبصر العافية مع نور الصباح!
فتشاور القوم مليا، وصدروا عن أمرهم جليا، ألا نبرح الساحات حتى ينقشع، ما نحن ما فيه من غم وينقلع، وما رضوا سوى عزله بديلا، ولا عن تبديله تبديلا!
وهم باقون..حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
26-5-2011
قد لايكون بالضرورة أن يتوقف نجاح الثورة في اليمن على مشاركة السلفيين فيها باعتبار السلفية طائفة كبيرة ،ولها حضورها الواسع ضمن مكونات النسيج المجتمعي للشعب اليمني،وأتباعها ُكثر، ولكن المعضلة تكمن في تباينات مواقف السلفيين بمختلف فصائلهم من الثورة اليمنية الصاعدة بين مؤيد - ومعارض - ومعتزل،وإن كانت النسبة الغالبة رجحت وقوفها مع التغيير،وقد تجلى ذلك في الإعلان عن تشكيل،وتكوين ائتلافات سلفية في ميادين التغيير والحرية في معظم ساحات محافظات الجمهورية اليمنية .
• معضلة الموقف السلفي في الثورة ..
باعتقادي أن الثورة صارت قاب قوسين أوأدنى من تحقيق أهدافها،ولا ينقصها الأتباع والوفرة الكمية والعددية ،فساحات الحرية،والتغيير تعج بعشرات،ومئات الآلاف من كافة الأطياف،والتيارات التي توحدت تحت سماء الثورة ومناهضة وإسقاط النظام الحاكم ،وأصبح أمرها معلوماً ومشتهراً ولا يخفى على أحد، ولا غرابة أن يحسم اليمنيون أمرهم كذلك،ولكن المؤسف هو أن يتصدر البعض من منسوبي السلفية، ويتسنم إضفاء الشرعية ،وإسقاطها على نظام متهالك يلفظ أنفاسه الأخيرة، وذلك من خلال الترويج في القنوات الرسمية لمصطلح "ولي الأمر الشرعي وعدم جواز الخروج عليه " كحق يراد به باطل!! بحيث يتم حشد الأدلة والتمنطق بها الداعية إلى طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه .
المعضلة هي في إيراد الأدلة في غير محل الاستدلال فمواصفات الرئيس الحالي لا ينطبق عليه هذا الإخراج السيئ،والتوظيف غير المنهجي والشرعي باستدعاء نصوص،وتنزيلها في غير محلها،ومن يقوم بهذا الدور هيئات،وشخصيات من التيارات الدينية المختلفة التي منها السلفيون بجناحهم الظاهري المتشدد، والذي يتزعمه يحي الحجوري في دماج بمحافظة صعدة ،والشيخ محمد الإمام في معبر،وهذا الأخير تم استغلال فتاواه بعدم جواز المظاهرات وتوظيفها في اليمن وخارجها، حتى وصل الأمر في أن يعمد نظام القذافي إلى تبني تصريحات الشيخ / محمد الإمام وأمثاله بغض النظر عن حسن قصد الشيخ أو رضاه ،وهذا يعود إلى تمسك الجناح الغالي في استخدامه ظاهر النصوص أو قل عدم فقهها كما ينبغي، وبالشكل المطلوب ونقول لهؤلاء " لا تُضحكوا الشيطان عليكم، ولا تكونوا ألعوبة بيد الأنظمة الفاجرة التي تستخدمكم كسحرة فرعون " .
وفي المقابل ثمة موقف مغاير ومناقض تمام للموقف السابق، وهو موقف ثلة خيرة من علماء ودعاة الدعوة السلفية الذين وقفوا مع الثورة في أول أيامها، ونصبوا خيامهم مع المعتصمين، وشهدنا ظهور ائتلافات سلفية عديدة تدلل على مدى النجاح في استيعاب الواقع ومجاراة الحدث،
ثمة فريق ثالث وضع نفسه في المنطقة الرمادية بحجة التخوف لما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلاً .. وليس بالإمكان أفضل مما كان وأن التغيير سوف يكون إلى الأسوأ- زعموا - هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنهم يعملون لإيجاد مسوغ يمنحون من خلاله الشرعية للنظام الهالك الذي يتسق مع التبرير لموقفهم الداعم له من حيث لايشعرون .
والشيء الذي يجب أن نعلمه هو سقوط النظام أخلاقيًا وسياسيًا،وشرعياً بل وواقعياً على الأرض ،ومن المعلوم قطعاً أن " ولي الأمر" موقعه ومنصبه يحتم عليه القيام على أمور شعبه،وخدمته بالسهر على مصالحهم ورعي حرماتهم والحفاظ على كرامتهم وأموالهم فإذا تحول إلى غول يقتل أحلامهم، وأسد يفترس خيراتهم، وقاتل محترف يسيل دماءهم، فمن هنا وجب دفعه واستبداله لاسيما وقد أخل بجل المقاصد الشرعية العظمى والكليات الخمس إجمالاً (كما سنبينه في مقال آخر .. ) .
لذلك يتوجب علينا إدراك ما تملية المرحلة من الدفع باتجاه إنجاح الثورة وضرورة تحرير الموقف السلفي من الثورة فالشعب قد خرج عن بكرة أبيه إلى ساحات الاعتصام ،ولن يحصل تراجع ولو أدى ذلك إلى حدوث حرب أهلية - وهذا ما لا نتمناه – ولكن هذه طبيعة الحالة القائمة تفرض على السلفيين الخروج من عنق الزجاجة التي وضعوا أنفسهم فيها والقيام بنصرة الثورة حتى لاتفشل، ويحصل الذي يخشونه من إعلان الانفصال في الجنوب ،وتمركز الحوثيين في الشمال ،ونشوب الحرب الأهلية التي تأتي عليهم كذلك إن هم تقاعسوا عن شرف المشاركة وبذل الغالي والنفيس لإنقاذ أنفسهم واللحاق بركب الثورة .
ولست في هذا المقام أقلل من وصول الثورة إلى مصاف تحقيق أهدافها – وهي كذلك – بعون الله. ولكن مخاض الولادة المتعسرة التي استمرت فيه لأكثر من ثلاثة أشهر وتوقف بعض عوامل نجاحها ،وإنجازها في نظري يجعلنا نراهن على الدور الذي ينبغي،ويمكن أن يلعبه السلفيون بكل أطيافهم كما حصل في مصر عندما وقف السلفيون مع الثورة وساهموا في إنجاحها، ثم أخذوا يجنون ثمار هذا النجاح مباشرة فيما عرف لاحقًا باسم (غزوة الصناديق) التي أطلق الوصف عليها الشيخ محمد حسين يعقوب،ومطالبة الشيخ محمد حسان بإنشاء حزب سياسي، وهو الأمر الذي جعل منهم رقمًا صعبًا وكبيرًا في الساحة المصرية وهم كذلك، وإن كانوا تأخروا عن نصرة الثورة إلا أنهم استدركوا هذا التأخير في اللحظات الأخيرة، مما جعل الآخرين ينظرون إليهم كمستغلين للحدث لاأصحاب مواقف مشهودة، وحضور في قلب الثورة المصرية العظيمة .
• شبهات وتخريجات مردودة ..
من يطالع ويتابع عن كثب فيما يحاجج به بعض السلفيين ويتعللون به، وله في إحجامهم عن دعم الثورة بصورة مباشرة لتخوفهم من عواقب ما بعد الثورة تحت ذرائع عديدة منها:
- أن هذه الثورة هي ثورة أحزاب المشترك ولا تختلف في سياستها عن الحزب الحاكم،وجواب هذا أن الذين في الساحات ليسو كلهم تبعاً للأحزاب، بل المستقلين فيها أغلبية ويزيدون يومًا بعد يوم، ثم إن الحكم على الشيء قبل وقوعه هو أمر غير دقيق،ومسألة تتعلق بالغيبيات التي لايدرك كنهها الإالله، كما أن هذه الملايين التي تعتصم في 17 محافظة من محافظات الجمهورية لو كانت خالصة لأحزاب المشترك-أو الإخوان- على الأصح لكان من الحصافة، وحسن السياسة الوقوف معهم، إذ أن الناظر لهذه الجموع الغفيرة، ولهذا الإصرار العجيب ليدرك أن نجاح الثورة هي مسألة وقت فقط.
- والبعض يرى أن حزب التجمع اليمني للإصلاح هو المكون الفاعل داخل أحزاب اللقاء المشترك،وقد كان يومًا ما حليفًا للنظام، وبعض السلفيين حدث وأن دخل في خلافات وحزازات شخصية مع بعض أتباع الإصلاح، وهذه مسائل ليس من الواقعي الحديث عنها في هذه المرحلة،وهي من الماضي المندرس، وقضية وجود ظلم على السلفيين من ناحية أخرى فإن غيرهم عانى واكتوي بما حصل لهم، وهي في النهاية شأنها كشأن الخلافات مع التيارات الأخرى الأقرب كأتباع تيار دماج ومن معه، ووجود ظلم على السلفيين من جهة ما لا يبرر تقاعسهم وتأخرهم عن نصرة الثورة، لأنها مطلب الأمة وليست مطلبًا حزبيًا أو شخصياً بل مطالب عامة وليست خاصة أوجزئية .
- وفيما يتعلق بمسار وجود الخلافات في الرؤى الفكرية بين الإخوان والسلفيين، من مثل التعاطي مع مسمى الديمقراطية والانتخابات، فهي في جلها مسائل اجتهادية لا توجب نزاعا حقيقياً في الأحوال العادية فضلاً عن أوقات الأزمات ،والمواقف الحرجة كالوضع الحالي الذي يستدعي تظافر الجهود وتكاملها نحو إنجاح الثورة لمصلحة الجميع .
- ثم إن التعلل بموقف الحوثيين ومشاركتهم في الثورة فإنهم،ورغم تمرسهم على الحروب ،ووجود الدعم لهم من الخارج إلا أن خطرهم لاشك يبقى محدودًا في ظل العمل على إيجاد دولة للنظام والقانون،وفي إطار وضعهم الطبيعي،إضافة إلى أنهم ليسو بحجم الصورة المشتهرة عنهم حتى يكونوا بعبعاَ مخيفا ليس لأحدٍ القدرة عليه ،وسوف يكون شأنهم كبقية المواطنين، يخضعون لنظام وقانون واحد يسري على الجميع .
- وفي نفس الوقت لايمكن لأحد الحجر على فكر أحد، كما لا نرتضي العنف طريقة لنشر هذا المذهب أو ذاك، ولا سبيل سوى الحوار الفكري والمجادلة بالتي هي أحسن والتي وسعت أهل الكتاب، فما بالك بمن ينتسب للمسلمين كالحوثيين وغيرهم.
- لذلك فالوضع الذي سوف يكون عليه الحوثيون هو أنهم مواطنون لهم الحق ،والحرية في الاعتقاد بما يشاءون، لكن من غير تعدٍّ على الآخرين والحوار الفكري يسع الجميع.
- وفيما يتصل بورقة القاعدة فقد صارت اسطوانة مشروخة، وفزّاعة يلوح بها النظام مرراً،وتكراراً عند تعرضه لمأزق أو طلبه للمال، وأفراد القاعدة شأنهم كشأن الحوثيين، والحل لا يكمن في قمعهم أو قتلهم، وإنما في محاورتهم وإقناعهم فكريًا.
-وفي الأخير نعجب أن يكون حال بعض السلفيين مّمن يكفر بالديمقراطية ،ولا يرى جدوى من القيام بالمظاهرات والدعوة إلى الاعتصامات واعتبارها فتنة يجب اعتزالها، ويستفرغ جهده في نقد الإخوة في التجمع اليمني للإصلاح -الإخوان المسلمين في اليمن - نقدًا لاذعًا، وفي ذات الوقت لا يزال يرى ولاية وشرعية للنظام الحالي رغم خرمه لعقد الولاء والبراء،وموجبات الشرعية المنزوعة عنه من خلال استقدامه الطيران الأمريكي لقصف مسلمين داخل حدود بلده !!، والعمالة الواضحة للأمريكان جوا وبرا وبحرا، مما يجعل هذا الفريق في معضلة حقيقية أمام توصيف الرئيس الحالي حيال هذه القضايا وغيرها.
- رسالتي لكم أيها السلفيون في اليمن بمختلف المكونات والفصائل للمؤسسات الدعوية – والخطاب هنا من سلفي منكم – لنلحق بركب الثورة فهي لا تنتظر أحدًا، ولكن !! لتكن لكم بصمة إنجاز فيها،ويكفي أن تشاركوا الأمة في مقارعتها للظلم، ووقوفها في وجه الظالم.. وأي أمة لا تنكر على ظالمها فقد تودع منها...ومن لم يركب الآن .. فسيفوته القطار!!
- وتحية عاطرة نبعثها من أعماق قلوبنا إلى السباقين من ركب مشايخ ورموز الدعوة السلفية في اليمن التي وقفت مع الثورة وساندتها كالشيخ أحمد بن حسن المعلم، والشيخ عقيل بن زيد المقطري،والشيخ محمد بن موسى العامري " البيضاني "،والشيخ عبد الوهاب الحميقاني، والشيخ عبد الله بن غالب الحميري،والشيخ مراد بن أحمد القدسي ،ونقول لهم : اثبتوا على مواقفكم، وبوركت مسيرتكم وجهودكم المباركة في خدمة ومساندة الأمة في وجه الظلم والجبروت ،ولكم منا كل الشكر والعرفان .
11-2-2014
اليمن هذه الأيام- وبعد المواجهات الحوثية مع قبيلة حاشد- على وشك السقوط في فخ حرب أهلية وطائفية (عرقية)، وإجهاض (تطبيق) مخرجات الحوار على سوئها– في رأي البعض- هذا السوء الذي نبع من الشراكة في دولة يحكمها نظامان متخالفان، وبرعاية إقليمية ودولية اتضحت أجندتها أكثر خلال هذه المواجهات.
من المتوقع زيادة التصعيد من قبل القوى المتحالفة مع (الشيطان الأكبر) بغرض الإجهاز على (تطبيق)مخرجات الحوار وكيان (الدولة اليمنية الحديثة) وإعادة فرض الملكية بلباس جمهوري كما كان الحال سابقاً، استباقاً ليوم 11 فبراير (ذكرى الثورة) وليوم 21 فبراير (انتهاء ولاية الرئيس).
هذا التصعيد يتم تغذيته من أطراف مختلفة (داخلية وخارجية)، وأهدافهم مختلفة أيضاً لكنهم متفقون على الطريقة، وإغراق البلد في الفوضى وخلط الأوراق التي تم لملتها مؤخراً.
المطلوب هو الضغط الشعبي باتجاه (تطبيق) مخرجات الحوار الوطني وإخراجها واقعاً ملموساً على الأرض، ومن ضمن هذه المخرجات نزع السلاح الثقيل والمتوسط من أي جهة أو مليشيات يمكن أن تهدد السلم الاجتماعي اليمني.
لا نقول بأننا بحاجة إلى (تظاهرة ثورية) فربما لا يحتمل وضع البلد ذلك، ولكننا نحن بحاجة إلى (اصطفاف وطني) يتمثل في قيام وجهاء البلد والشخصيات الاجتماعية والمكونات الثورية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية بتكوين (خلية طوارئ) لدراسة الوضع وتصور حلول عاجلة لهذا المأزق الذي يمر به البلد، وعلى ضوئه يتم التشاور مع الحكومة على سبل المواجهة، وتحميلها مسئولية هذه الأحداث، وقيام الجيش بدوره الوطني في حماية البلد، ولا ينبغي إلقاء المسئولية على طرف أو مكون اجتماعي بعينه، كما قد يحلو للبعض تحميل (حزب الإصلاح) مسئولية عدم مواجهة الحوثيين!.
فهذا منطق خطير، إذ أن (الإصلاح) أو الأحزاب الأخرى هي أحزاب سياسية ليس من مهامها مجابهة الجماعات الخارجة على القانون، كما أن دخولها ومشاركتها في هذه الحرب هي دعوة صريحة للإحتراب الأهلي والطائفي معاً، وهو هدف سياسي لدى بعض الأطراف للقضاء على (إخوان اليمن).
سمعنا مؤخراً عن تحركات قبلية لتكوين حلف واسع لمجابهة الحوثيين، وهذه الخطوة أيضاً ينبغي تحييدها عن المواجهة المسلحة مع الحوثيين، لأن دخول القبائل بهذا الشكل ستحول الأمر إلى حرب قبلية أهلية، تتطور إلى حرب طائفية، والتصرف الصحيح هو أن تقوم الحكومة بدورها ومسئوليتها المناطة بها من حفظ البلد وأمنه.
ماذا لو لم تقم الحكومة بدورها؟
هذا سيعقد المشهد، وسيضطر الناس للدفاع عن أنفسهم، سواء بتكوين الحلف القبلي أو غيره، وهذا سيكون خصماً من رصيد الدولة الوطنية، دولة المساواة والقانون التي يحلم بها اليمنيون جميعاً، وسواء فازت (القبيلة) أم (الحوثي) فإننا سنعود إلى أحد حضنين إما إلى حضن (الشيخ) أو إلى حضن (السيد)!.
لذلك لا بديل عن الضغط باتجاه الدولة الوطنية الحديثة، وحضن (القانون) بدلاً من البكاء على أطلال حقوقنا المسلوبة، ودمائنا المسكوبة.
29-12-2011
مسيرة الحياة التي خرجت لإحياء النفس الثوري، والزخم الجماهيري الهادر والمتطلع لغد أفضل في اليمن ينبغي قراءتها من زوايا متعددة، والتعامل مع هذا النوع من المسيرات مستقبلا بإيجابية..
هذه المسيرة كانت ضرورية لإشعال جذوة الثورة المشتعلة، والتي أصابها رماد الركود تزامنا مع تفعيل المبادرة الخليجية، والتي تقضي بإشراك الحكومة السابقة، ومنح حصانة للقتلة!
فنشأ رأيان وتياران ثوريان:
الأول: يرى المضي في تنفيذ المبادرة الخليجية حرفيا-رغم مرارتها وقسوتها- إلا أن عاقبتها ستكون بزوال مؤسسات الفساد، والتي بدأت بوادرها فعليا على الأرض على شكل احتجاجات على رموز الفساد في النظام السابق.
والثاني: يرى ضرورة البت في الأمور ومحاكمة القتلة والمفسدين، وإن أدى ذلك إلى حدوث مواجهات مع النظام السابق.
ولو استدعينا الذاكرة التاريخية للصحابة الكرام، لوجدنا أن هذا الوضع يشبه إلى حد كبير ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع الثوار الذين خرجوا للمطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، وهم محقون في ذلك، فهؤلاء القتلة الذين سفكوا دم خليفة راشد وأحد العشرة المبشرين لا بد أن ينالوا جزاءهم الرادع.
غير أن علي بن أبي طالب لما تسلم الخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وجد الأمور بحاجة إلى إعادة ترتيب، ووجد كذلك أهل الفتنة –عبدالله بن سبأ ومن معه- مختلطين بالناس ويمكن أن يثيروا فتنا جديدة إذا ما قرر التخلص منهم بصورة مباشرة، فكان رأيه أن يبدأ بترتيب أوضاع الدولة أولا، وبناء جيش قوي يستطيع به مواجهة هؤلاء القتلة والمجرمين..
إلا أن الثوار –أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير- رضي الله عنهم أجمعين- ومن معهم لم يرتضوا بهذا الرأي
وقرروا المسير بأنفسهم لملاقاة القتلة والمجرمين..إلى أن استطاع أهل الفتنة أن يختلقوا فتنة بين جيش علي وعائشة وكانت موقعة الجمل الشهيرة بسبب فتنة أحدثها أتباع ابن سبأ..
وهكذا ينبغي على شباب الثورة اليوم أن يكونوا أذكى وأعقل من كل المؤامرات، والرايات التي ترفع في الساحات، واستغلال أطراف معينة لهم كالحوثيين وغيرهم.
وينبغي أن نعلم أننا كثوار في نهاية المطاف..ليس هدفنا أن نشرب من دماء المفسدين والقتلة..
وإنما هدفنا هو إزاحة الفساد وبناء الدولة، فمتى تحقق هذا المطلب وبأي وسيلة نظيفة فثم سبيلنا وطريقنا..
19-12-2011
للتمساح دموع حقيقية؛ ولكن التمساح لا يبكي إلا إذا كان خارج الماء حتى لا تتعرض عيناه للجفاف، فهي ليست دموعا عن عاطفة، ولكنها خوفا على صحته..
تماما هذا الوصف ينطبق على حال الحوثيين مع السلفيين في دماج، فالحوثيون تمساح كبير يريد ابتلاع ما حوله من الفرائس التي يحسب أن صيدها سهل، ولن يكلفه كثير عناء، وهو بالمقابل قد خرج من بيته ومعقله إلى صحراء المواجهة مع هؤلاء السلفيين ..فما هي مبرراته لهذه المواجهة يا ترى، والدموع التي يذرفها أمام العالم كمبررات لفعلته وإجرامه؟!
الدمعة الأولى
الدمعة الأولى التي يذرفها الحوثيون هي دمعة الخوف على الثورة! وكأن هؤلاء السلفيين القابعين في مركز بعيد عن الأحداث الرئيسية الدائرة كأنهم خطر محدق بهذه الثورة، ولن تنجح الثورة بدون القضاء عليهم!
والعجيب أن هذا الخطر لم يتم التنبه له إلا هذه الأيام عندما أوشك الناس على الاتفاق وبناء دولة جديدة.
ومن أجل تسويق هذه الدمعة وتكبيرها تم رميهم بالتكفير (مع أن الذي يكفر الصحابة معروف!) وبالإرهاب (وهم لا يجيدون مسك السلاح) وليس لهم ترسانة عسكرية لا ينقصها إلا الطيران كما للحوثيين!
الدمعة الثانية
وهي أن هؤلاء غرباء وأجانب! وصعدة زيدية ولا مجال للدخلاء فيها!
وهنا يدور سؤال: هؤلاء الوافدون لدماج إما أجانب (غير يمنيين) ودخولهم بتأشيرات وإقامات رسمية، والمفترض أن تتولى الجهات الرسمية متابعتهم وليس الحوثيون.
وإما أنهم يمنيون وافدون من محافظات أخرى؛ فمنذ متى سمعنا أن محافظة عدن على سبيل المثال تمنع سكن الحوثيين فيها! فهذه تفرقة عنصرية ما قامت ثورة الشباب إلا بسببها..فأين أنتم من أهداف الثورة أيها الحوثيون!
الدمعة الثالثة
وهي أن السلفيين في دماج يعملون على تأجيج الصراعات وبث الفتنة بين الناس!
ولا أدري كيف نستسيغ هذه الدمعة الكبيرة مع تاريخ الحوثيين على مدى حروب ستة مع الدولة، ومن كان البادئ بتأجيج الصراعات والفتن غير الحوثيين، ورغم أن الدولة عرضت على أهل دماج الاشتراك في حرب الحوثيين إلا أنهم نأوا بأنفسهم عن الدخول في هذه (الفتنة وتأجيج الصراع)..فمن الأحق إذن بهذا الوصف غير الحوثيين!
الدمعة الرابعة
أهل دماج وهابيون ويعملون على نشر المشروع الأمريكي الوهابي!
هنا يصح أن يقال: رمتني بدائها وانسلت! فقد عرف العالم قاطبة من هو صاحب المشروع الخارجي، والذي يستلم بالدولارات من الدولة المصدرة للتشيع وأتى بمنهج دخيل على المنطقة لضرب الزيدية والسنة.
أما أمريكا فهذا شأن آخر؛ فالحوثيون بأجندتهم الإيرانية هم أحباب أمريكا باطنا أعداؤها ظاهرا..والدليل على ذلك أنها إلى الآن لم تدرجهم كمنظمة إرهابية، ولم تجمد أموالهم، كما لم نسمع بأن الطائرات الأمريكية التي تقصف الإرهابيين في شبوة وأبين فكرت ولو مرة واحدة بأن تسلم على الحوثيين مجرد سلام!
ولا يخفى تعاون المشروع الإيراني مع أمريكا في العراق وأفغانستان..فعلى من يضحكون!
الدمعة الخامسة
وهي من أعجب الدموع، تذكرني بالمثل القائل: ومن الحب ما قتل!
هل تصدقون بأن الحوثيين يدعون أنهم يدافعون عن سلفيي دماج!
فهذا (حميد رزق) يكتب في ( التغيير نت-صحيفة يمنية) مقالا عنونه ب: الحوثيون في مهمة الدفاع عن السلفيين والوهابيين!
ساق كلاما للسيد حسين بدر الدين الحوثي قال بأنه لا يؤيد أن تمسك أمريكا أي يمني بتهمة أنه إرهابي..
نقول: شكرا لشعورك النبيل تجاه المواطنين اليمنيين..ولكن العجب لا ينقضي عندما تمنع الآخرين من الإمساك بالإرهابيين لتتفرغ أنت لقتلهم وحصدهم بيدك أيها الحوثي!
وصار لسان حال هذا الإرهابي السلفي:
المستجير بعمرو عند كربته..كالمستجير من الرمضاء بالنار.
فكفوا دموعكم عنا أيها الحوثيون، واحتفظوا بخوفكم على اليمنيين لأنفسكم، وتعايشوا مع الآخر وإن خالفكم الدين فضلا عن المذهب!
ومن أراد النزال فعليه بحرب بلا دماء ولا أشلاء..وهي حرب القلم والفكر والحوار..ليس ثم طريق غيرها..ولكم القرار!
تنبيه: الوقوف مع أهل دماج هو من منطلق شرعي وإنساني ولا علاقة له بموافقة فكرهم أو مخالفته؛ ولو كان الحوثيون هم المحاصرون بهذه الطريقة لوقفنا معهم نفس الموقف!
14-7-2014
* يوسف عليه السلام نبي كريم اصطفاه الله وحباه علما وحلما لذلك حسده إخوته من بني إسرائيل..
وكذلك نحن حسدنا أخوتنا من بني اسرائيل نتيجة هذا الحسد كان أن رموه في قعر الجب.
كذلك نحن تم رمينا في جب الخذلان والجهل قرونا طويلة وصودرت ثقافتنا ونسبت لغيرنا تارة وما تبقى منها تم وصمه بالتخلف والإرهاب تارة أخرى.
* تعرض يوسف عليه السلام للبيع والشراء .. وبيع بثمن بخس.
كذلك هذه الأمة تصادر كرامتها وتباع في سوق النخاسة العالمية لمن يدفع أكثر.. حتى أضحت دماؤنا أرخص من النفط الذي يسرقونه من تحت أرجلنا.
* تعرض يوسف عليه السلام لمساومة أخلاقية وإغراء الشهوة يفوق حد الاحتمال مع امرأة العزيز.
وهذه الأمة تعرضت إلى ابتزاز أخلاقي وتحطيم قيمي يفوق حد الخيال.. حتى يخيل لك أنه لم يعد من هم لأرباب القنوات الفضائية إلا إذكاء سعار الشهوة وإطلاقها.
* تعرض يوسف عليه السلام لمؤامرة دنيئة أفضت به إلى السجن بتهمة الشرف التي يتزعمها الملأ وكبار رجال الدولة..
كذلك حال أمتنا تم تكبيلها ورميها في السجن بعد محاكمة ظالمة بأنها أمة رجعية في حق الأسرة والمرأة والطفل.. فصار عديمو الشرف هم من يحاضر ويؤصل للشرف الأخلاقي!
* كان يوسف خبيرا بالتأويل وتقدير عواقب الأمور وهي سبب تحرره من السجن لكن لم يتحرر إلا بوسيلة إعلامية قوية وقناعة قوة كبيرة مكنت له وحمته لاحقا وهي قوة الملك الذي اقتنع بنزاهة يوسف وألمعيته..
كذلك هذه الأمة تملك أدوات التأويل وتفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية بل وحتى حقائق الكون العلمية على وجه معجز بليغ..
لكنها لم تعثر بعد على القوة الحاضنة والتي لن تصل إليها إلا بإعلام قوي وإقناع كبير.
* لقد خرج يوسف من السجن إلى القصر وحكم فعدل وكذلك هذه الأمة ستمر بهذه المرحلة مرة أخرى..
نترقب بشوق بالغ هذه المرحلة .. لكن يسبقها شحذ الهمم وتثقيف الأدوات اللازمة لبلوغ ذرى المجد، وما ذلك على الله بعزيز.
لو سألت د. طارق السويدان: هل تشك في الله تعالى؟
لأجابك على الفور: أعوذ بالله! (أفي الله شك فاطر السموات والأرض)؟؟!!
هذا هو ما يسمى بمقام الاعتقاد، وهو الجانب الاعتقادي للشخص في نفسه فيما بينه وبين ربه..
بالمقابل لو جاءه شخص من ديانة أخرى.. أو لا ديني أصلا ثم سأله:
هل تعتقد بوجود إله؟
لأجابه د. طارق السويدان: ما رأيك أن نصل إلى الحقيقة سويا، ونفترض بداية عدم وجود إله للكون.. كيف سيكون الحال بدون وجود إله؟ وكيف سيكون بوجوده؟
هذا المقام يسمى مقام الاحتجاج.. وهو التنصل من الحكم المسبق من طرفي الحوار للوصول إلى الحقيقة منطقيا وعقليا،
وهذا المقام هو مقام الراسخين في العلم والدعاة الحكماء، بل مقام الرسل والأنبياء، وهذا نبي الحنفية إبراهيم الخليل-عليه السلام-
يستخدم ذات الأسلوب الحواري في مقام الاحتجاج على قومه عبدة الكواكب والنجوم..
عندما كان يحاورهم تنزلا وهو يشير إلى الكوكب تارة والقمر تارة والشمس تارة قائلا: (هذا ربي)!!!
وفي نهاية الحوار أثنى الله تعالى على عقله وطريقته في إفحام الخصم قائلا: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)
وإضافة الحجة إلى الله إضافة تشريف وإعلاء، فكيف يعلي الله من شيء ثم يأتي من يهون منه، بل ويرمي من يستخدمه بالكفر؟
ونجد ذات المنهج مبثوثا في كتاب الله تعالى:
۞قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (٢٤)
وقول الله تعالى:
﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ٢٢]
وأمثالها من الآيات..
فالسويدان يتحدث في محاضراته وكتبه عن هذه الأمور في سياق العرض والتداول الثقافي والذي يقتضي التنزل في الحوار وافتراض أن الحق ليس عند أحد الطرفين.. وإنما يتوصل إليه بالنقاش والحوار..
وعودا على بدء..
ينبغي التفريق بين مقام الاحتجاج ومقام الاعتقاد.. لأن الخلط بينهما يجلب الكوارث واتهام الآخرين بالتضليل، بل رميهم بالزندقة والكفر.
حمانا الله وإياكم.
فيصل العشاري
14 رمضان 1442
قول الله تعالى:(.. وبالوالدين إحسانا).. وردت في أربعة مواضع في القرآن الكريم مقرونة بعبادة الله تعالى وكأن الحكمة من الاقتران هنا هو جامع المشابهة بالتربية.
وذلك أن الله (رب) العالمين رباهم وغذاهم شيئا فشئيا من المهد إلى اللحد..
وكذلك الوالدان يربيان طفلهما حتى يكبر.. ولا شك أن هذا الفضل كبير للوالدين.. وإن كان المشبه هو دون المشبه به دوما.
هذا فيما يتعلق بفلسفة تقنين الحق: أي لماذا هذا الحق؟
أما فيما يتعلق بتكييف هذا الحق: أي بيان العلاقة بين الطرفين (الولد والوالدين)
فهي علاقة خضوع وتواضع من الولد لأبويه وهذا مشار إليه في قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)..
وهل هذا الخضوع مطلق أم مقيد؟
لا شك أنه مقيد كما في قوله تعالى:
(وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفا..) لقمان 31
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري: (إنما الطاعة في المعروف)..
ما حدود هذا التقييد؟ حده وقوع الظلم لأحد الطرفين، وخروجه عن المعروف.
بينته الآية السابقة (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما..) فالشرك أعظم الظلم.. ولذلك منع الابن من قبول هذا الظلم طاعة لوالديه..
وإن كانت حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فإن الامتناع عن الظلم في حق المخلوق هو من باب أولى!
(يا عبادي إني حرمت لظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما.. فلا تظالموا..) رواه مسلم.
وعليه يمكن أن نطرد-نجري- هذه القاعدة (قاعدة الظلم) في العلاقة بين الطرفين وكل ما يتعلق بهما..كزوجة الابن مثلا كما سيأتي، وتبقى الصور الجزئية مجرد تطبيقات عملية للتعامل بين الطرفين..
فمن جهة طاعة الابن لأبويه:
- عدم مراعاة شعورهما ووضعهما النفسي-في غير ما يضره- هو ظلم لهما.
- الدعاء لهما حق لهما، وبالتالي فتركه أو الامتناع عنه هو هدر لحقهما وظلم لهما، كون الدعاء جزء من شكر التربية.
- التخلف عن تلبية طلباتهما المادية-فيما لا يضره - هو ظلم في حقهما.
ومن ذلك الإنفاق المالي-خاصة في وقت عجزهما العجز الحكمي أو الفعلي-
وحديث (أنت ومالك لأبيك) محمول على مثل هذا الوضع، أما تسلط الأب على مال الابن لمجرد التسلط فهذا ظلم للولد ويحق للولد الامتناع في هذه الحالة لاختلال الوضع التعاقدي الوالدي.
أما من جهة الوالدين تجاه الابن:
- فإن التسلط المالي على مال الولد بغير حق لا يجوز للوالدين، بل مجرد التسلط نفسه هو ظلم، كالوالد الذي يأخذ راتب ابنه عنوة، أو راتب ابنته عنوة، والأصل أن الولد أو البنت شخصان مكلفان لهما أهلية التصرف والتملك والتمليك، فلا يحق الاعتداء على ذمتهما ولو كان المعتدي أحد الوالدين.
- التسلط الاجتماعي، وله صور متعددة، كالإصرار على الابن أو البنت باختيار زوج أو زوجة على هوى الوالدين لا هوى الشاب أو الفتاة، وكذلك عضل البنت ومنعها من الزواج لاعتبارات غير مشروعة، وكذلك إجبار الولد على السكن مع والديه في نفس المنزل، فهذا حق استقلالي للولد إن شاء أمضاه وسكن بعيدا عن والديه، وإن شاء تنازل عنه وسكن معهما.
- التسلط النفسي، وذلك بعدم العدل بين الأبناء والبنات، بالثناء بالكلمات، أو بالاهتمام بالنظرات، وغير ذلك من الأساليب المشعرة بتفضيل ابن على آخر، أو ابن على بنت والعكس.
بقي مسألة دقيقة تتكرر دوما في موضوع التسلط الاجتماعي وهي علاقة التوازن بين حقوق الزوجة وحقوق الوالدين..
حيث يلجأ بعض الأزواج إلى تقديم حق الوالدين على حق الزوجة في كل الأحوال ظنا منهم أن هذا من البر، والصواب هو بالعودة إلى شوكة الميزان (استبعاد الظلم) على أي طرف وقع عليه (سواء الزوجة أم الولدين).. فإذا تعارض حق الزوجة مع حق الوالدين نظرنا هنا: من الذي وقع عليه الضرر؟ وكم نسبة هذا الضرر لكل طرف، ثم استبعدنا الضرر، وأعدنا الحق لصاحبه، ولو كان ضد رغبة الوالدين، وكل هذا مع بقاء حق المودة والرحمة لهما، بمعنى أن يتم انتزاع هذا الحق ورد الظلم بطريقة لطيفة تليق بهما، لأن أسلوب المعاملة (التواضع) لا يزال حقا لهما وإن كانا ظالمين.
فهناك فرق بين التنازل عن الحقوق وبين التنازل عن الذات وأسلوب المعاملة.
فيصل العشاري
10-6-2021
اقفزي واشلحي إلى مستنقع الإباحية!
كتب: فيصل العشاري
فاجأنا الطبيب المخضرم الدكتور مروان الغفوري بمقالة أدبية القالب إباحية القلب، ينصح فيها الفتيات المسلمات بأن يشلحن ويقفزن إلى مستنقعات الإباحية، وعددا من المسميات والبوابات المشابهة، ورغم متابعتنا للمقالات الإبداعية للدكتور الغفوري -خاصة السياسة منها- والتي هي بحق مقالات نوعية ومتميزة، ولها نكهتها الخاصة، إلا أن هذا المقال-الأدبي- صدم الكثيرين، حيث لا فائدة ترجى منه، بالعكس يمكن وضعه في خانة المقالات الهدامة والخطرة على تماسك الأسرة العربية المسلمة!
لن أتحدث عن مضمون المقالة من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية، كما لن أتحدث عنها من الناحية القيمية أو الوسط الثقافي العربي، ولكنني سأتحدث عنها من زاوية واحدة فقط، وهي زاوية التأثير النفسي الطبي للإباحية على متعاطي هذه المواد المخدرة الخطرة!
فرغم اختلاف الأطباء النفسيين لجمعية علم النفس الأمريكية APA في دليلها التشخيصي DSM-5 على تصنيف المواد الإباحية ومتعاطيها هل يدخل ضمن الاضطراب النفسي أم لا، إلا أنهم يتفقون في نهاية المطاف على وجود تأثيرات سلبية أكثر بكثير من التأثيرات الإيجابية المتوهمة-والتي أشار لبعضها الدكتور الغفوري في مقالته-
فقد وجدت دراسة أجريت عام 2020 أن 56.6٪ من المشاركين أبلغوا عن مشاهدة مواد إباحية في مرحلة ما خلال حياتهم. وجدت الدراسة أيضًا أن استخدام المواد الإباحية القهرية كان مرتبطًا بمستويات أعلى من التوتر والقلق والاكتئاب.
جاء في خلاصة هذه الدراسة: “تشير تحليلاتنا إلى وجود علاقة مهمة بين الصحة العقلية واستخدام المواد الإباحية، بما في ذلك السلوكيات التي تعكس الإدمان السلوكي، مما يسلط الضوء على ضرورة فهم ومراعاة أفضل للمساهمة المحتملة للمواد الإباحية على الإنترنت في الصحة العقلية السلبية بين طلاب الجامعات". (Camilleri et al., 2021).
كما تساءل بعض الأطباء النفسيين عما إذا كان يجب تصنيف إدمان المواد الإباحية على أنه اضطراب قهري على غرار إدمان المخدرات أو الكحول. يقترحون أن هناك تغييرات في نشاط الدماغ تشبه إلى حد مذهل ما يختبره الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات.
وفقًا لدراسة عام 2015 نُشرت في مجلة Behavioral Science ، وهو مخطط كهربائي للدماغ يمكن لـ (EEG) اكتشاف التغيرات في نشاط الدماغ (على وجه التحديد ، حدث تفاعلي يسمى P300) عند مشاهدة المواد الإباحية. يمكن أن تحدث الاستجابة في غضون 300 مللي ثانية من مشاهدة المواد الإباحية. (Love et al., 2015).
لقد ثبت أن إدمان المواد الإباحية يسبب تغيرات في الدماغ تشبه تلك التي يعاني منها الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات.
ويمكن الاطلاع على آلاف الدراسات العلمية التي تتحدث عن الإباحية في شقيها العيادي التصنيفي (الإدمان أو شدة الاهتمام) في المواقع العلمية المعروفة، وهذا غيض من فيض، والغرض منه لفت انتباه الدكتورالغفوري- وهو الحاذق النبيه- إلى أن مقالته آنفة الذكر-بحسن قصد أو سوء قصد- تساهم حتما في حصول اضطرابات سلوكية واضطرابات في الصحة العقلية، فضلا عن النواحي الاجتماعية والمهنية لمن يدمنون على المواقع الإباحية، والمشاهدة بوابة الإدمان كالمخدرات تماما يبدأ التعاطي البسيط ثم لا يلبث أن يتحول إلى سلوك قهري يصعب الفكاك منه، وذلك كون المقالة تدعو فتيات المسلمين إلى أن يشلحن ويقفزن إلى بحر الإباحية والأدوات الأخرى المصاحبة.
نرجو أن يتكرم الدكتور الغفوري بمراجعة مقصد المقال وتأثيره لا مجرد مضمون المقال الذي قال عنه في أحد تعليقاته في صفحته في الفيس بوك بأنه لم يجد شيئا يدعو إلى الإباحية في مقاله! وللقارئ أن يتعجب: إذا كان هذا المقال لا يدعو إلى الإباحية، فكيف سيكون شكل المقال الذي يدعو إلى الإباحية إذن؟!